في مطار الملك خالد الدولي قبل عدة أشهر، لا اذكر من أين أتيت، ولا أذكر
التاريخ، أذكر أني نزلت متعبة ووقفت دهراً انتظر حقيبتي تزف إلي كالعروس على سير
الأمتعة بالمطار، بينما أنا انتظر؛ لفت انتباهي شاباً لم يترك مجالاً لأحد أن لا
ينتبه له... كان يرتدي معطف التخرج وقبعته المربعة، قد عاد لتوه يصرخ بسكون:
تخرجت!
كانت عيونه تسرق النظرات من هنا وهناك، وكأنها تقول لما لا ترقصون
فرحاً، لقت تخرجت!، انهيت فترة عصيبة من حياتي، تخرجت وعدت لوطني، وأحضان أمي، عدت
فخوراً طامعاً لأن يُفخر بي.
كنت أرى المنظر أمامي كلوحة بالأبيض والأسود، وهو العنصر الملون
الوحيد فيها، وكل من حوله كئيب بائس، لم يبارك له أحد، ولم أرى ابتسامة رميت له
ولو من بعيد... كان الجميع يتجاهله، أعلم أنهم فرحين له ربما، ولعلهم أسرّوا له
بدعوة صادقة... ولكن ذلك لم يكن يكفي...التجاهل والجمود كانا سادة الموقف، حتى أنا
كنت مواطنة سلبية وتجاهلته مع المتجاهلين.
إلى ذلك الشاب المتخرج حديثاً، والذي رأيته في المطار...
أعتذر لك عن صمتي، أعتذر لك لأني لم أحتفل بك كما تحتفل الأم بابنها،
أعتذر لأني لم أهنئك، أعتذر لأني لم أقل لك مبروك التخرج يافخر الوطن، نورت دارك أنت
ومن معك، ياقادة المستقبل وحماة الوطن، أعتذر باسم الشباب الذي لم يصافحوك مهنئين،
وباسم المطار الذي لم يزفك من الطيارة بالطيران... أو حتى بالتصفيق.
تذكرت شعوري عندما عدت بشهادة الماجستير، تذكرت كل ليلة مرت علي في
الغربة عندما كنت أضع رأسي على الوسادة، أغلق عيني وادعوا إلهي أن يطوي عني تلك
الفترة لأعود بشهادتي وأرى والدي المريض قبل فوات الأون.
ليس عيباً ولا حراماً أن نشارك الآخرين مشاعرنا النبيلة برقي، ولن تضر
ابتسامة تزين كلمة: مبروك! لشاب سعيد عاد لتوه بالشهادة.
الحي يحييك والميت يزيدك غبن.
تعليقات
إرسال تعليق